مقالات العضــوات

الدور الملقي علي مؤسسات المجتمع المدني للتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة

ورقة مقدمة لورشة العنف بين الواقع والتشريع
أعداد : نادية المسقطي (عضوة بجمعية نهضة فتاة البحرين)

ما المقصود بالعنف

التّمييز والعنف مصطلحين يسمّيان القمع المسلّط على النّساء في الصّكوك الدّوليّة وفي أدبيّات حقوق الإنسان. أمّا التّمييز ضدّ النّساء فتعرّفه المادّة الأولى من "اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التّبأنه:دّ المرأة (المعتمدة سنة 1979) أنة: "أيّ تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتمّ على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة في الميادين السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والمدنيّة أو في أيّ ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتّعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النّظر عن حالتها الزّوجيّة وعلى أساس المساواة بينها وبين الرّجل." وعرّف "الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة" (المتبنّى سنة 1993) العنف ضد المرأة بأنه : "أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية للمرأة بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أم الخاصة."(
ومما لا شك فيه إن العنف الجسدي والنفسي والجنسي ضد المرأة منتشر في كل أنحاء العالم، تستوي في ذلك البلدان المتقدمة والبلدان النامية، ولكن ما تختلف فيه المجتمعات والحكومات هو:

  • مدى وعيها للظاهرة وتوعيتها بها، ومدى فكها لجدار الصمت حولها.
  • مدى إنشائها للسياسات وللممارسات، ومدى سنها للقوانين، التي تحمي النساء من العنف أو تنصف النساء المعنفات وتقاضي معنفيهن.
  • مدى إيجادها الهياكل التي تؤطر ضحايا العنف، وتعيد إليهم القدرة على الكلام والتفكير، وتعيد تأهيلهم وتجبر خسائرهم.

ولكن المجتمعات تختلف أيضا في نقطة أساسية هي مدى إدانتها العنف أو تبريرها إياه باسم مبادئ رمزية مستمدة من الدين أو من العادات والتقاليد، كما تختلف في الأشكال الثقافية التي يتخذها هذا العنف. فالعنف يشتد عندما يمارس باسم مبدأ رمزي يعتبر اسمي من ممارس العنف ومن ضحيته معا، وعندما يفرض نفسه على الجميع.

دور مؤسسات المجتمع المدني

أن المتغيرات والتحولات العالمية الجديدة قد عملت علي إحداث تغيرات جوهرية علي طبيعة الدور المناط بمؤسسات المجتمع المدني فلم يعد دورها مقتصرا علي لعب الأدوار الرعائية لفئات المجتمع المختلفة بل باتت تشكل طرفا فاعلا ومؤثرا في عملية التنمية وشريكا مهما من إطراف الشراكة المجتمعية وهم الجانب الرسمي والجانب الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. فمن خلال مؤسسات المجتمع المدني وما تقوم به من أدوار, وبتضافر جهودها مع الجهود الرسمية سيكون بأمكانها بث قيم ومفاهيم جديدة و متطورة ضمن المنظور الاجتماعي والقيمي للمجتمع.

كما أن تزايد الاهتمام الدولي بالتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة, والتأكيد علي ضرورة تفعيل أدوار المجتمع المدني للحد من انتشار هذه الظاهرة في المجتمع, ساهم وبشكل ايجابي في دعم وتعزيز هذا الدور.

في مارس /آذار 2004 أطلقت منظمة العفو الدولية، حملة دولية بغرض وضع حد للعنف ضد المرأة، و في تقريرها الذي جاء بعنوان " مصائرنا بأيدينا - فلنضع حداً للعنف ضد المرأة" عملت علي تسليط الضوء على مسؤولية الدولة والمجتمع والأفراد لوضع نهاية لهذه الظاهرة.

كما تضمنت التدابير الدولية والتي تطالب لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان باتخاذها من قبل الدول للحد من العنف ضد المرأة في احدي فقراتها علي ضرورة دعم المبادرات التي تتخذها المنظمات النسائية والمنظمات غير الحكومية حول العنف ضد المرأة وإقامة و/أو تعزيز علاقات تعاونية، على المستوى الوطني.

وحول هذه التدابير التي يجب علي الدول اتخاذها كتبت المقررة الخاصة الأولى المعنية بالعنف ضد المرأة في تقريرها للعام 2003 المرفوع إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مجموعة تقول:

ينبغي على الدول تعزيز وحماية الحقوق الإنسانية للمرأة وتوخي اليقظة الواجبة:

  1. لمنع الأفعال المتعلقة بجميع أشكال العنف ضد المرأة، سواء في المنـزل، أو مكان العمل، أو الطائفة أو المجتمع, أو في الحجز أو في أوضاع النـزاع المسلح والتحقيق فيها والمعاقبة عليها؛
  2. اتخاذ جميع الإجراءات لتمكين النساء وتعزيز استقلالهن الاقتصادي وحماية جميع الحقوق والحريات الأساسية وتعزيز التمتع الكامل بها؛
  3. التنديد بالعنف ضد المرأة وعدم التذرع بالعادات أو التقاليد أو الممارسات باسم الدين أو الثقافة للتملص من الواجبات المترتبة عليها في استئصال هذا العنف؛
  4. تكثيف الجهود لإعداد و/أو استخدام الإجراءات التشريعية والتعليمية والاجتماعية وسواها من الإجراءات الهادفة إلى منع العنف، بما في ذلك نشر المعلومات والقيام بحملات محو الأمية القانونية وتدريب الموظفين القانونيين والقضائيين والصحيين؛
  5. سن، وحيث تدعو الضرورة، تعزيز أو تعديل القوانين المحلية وفقاً للمعايير الدولية، بما في ذلك اتخاذ إجراءات لتعزيز حماية الضحايا وتطوير وتعزيز خدمات المساندة؛
  6. دعم المبادرات التي تتخذها المنظمات النسائية والمنظمات غير الحكومية حول العنف ضد المرأة وإقامة و/أو تعزيز علاقات تعاونية، على المستوى الوطني، مع المنظمات غير الحكومية ذات الصلة والجمهور ومؤسسات القطاع الخاص. فمن خلال التدابير يمكن لهذه الدول وبالتعاون والشراكة مع المؤسسات الأهلية من تفعيل وتجسيد تلك المواثيق والاتفاقيات الدولية إلي الواقع العملي.

وتأكيدا لمبدأ الشراكة المجتمعية لابد لنا ايضا من تحديد طبيعة الأدوار المنوطة بمؤسسات لمجتمع المدني للتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة مما يساهم في رسم الاستراتجيات و السياسات و من ثم تحديد الأوليات, وهي :

  • أنشاء مراكز الدعم والمساندة ومراكز الإيواء والقيام برصد كافة حالات العنف والعمل علي أعادة تأهيلها.
  • اتخاذ العديد من الخطوات العملية الكفيلة بتوعية أفراد المجتمع حول ظاهرة العنف, والقيام بتنفيذ برامج التوعية لمحو ألامية القانونية لكافة أفراد المجتمع.
  • ضرورة التصدي لظاهرة العنف والإعلان عنها في وسائل الأعلام المختلفة و العمل علي كسر حاجز الصمت حولها.
  • تشكيل جماعات ضغط من أجل القيام بمراجعة ورصد كافة القوانين والتشريعات المحلية والعمل علي تعديلها أو استحداث قوانين جديدة, أن لم تكن موجودة - كقانون الأحوال الشخصية وقانون الجنسية- بالنسبة لدولة البحرين والقيام بالتصدي
    لكافة أشكال العنف ضد المرأة وذلك من خلال تجريم كافة أشكال التمييز ضد المرأة إذ يعد العنف شكلا من أشكال التمييز.
  • و بالرغم من أن وجود القانون وحده ليس كافياً لترجمة الحقوق إلى واقع, فهناك فجوة واسعة بين المعايير الخاصة بحقوق المرأة والواقع المعاش مما يستوجب ضرورة إيجاد آليات عملية تساعد في أنفاذ وتطبيق بنود القانون والتصدي لكافة أشكال العنف ضد المرأة وذلك من خلال إصدار قوا نين تجرم كافة أشكال التمييز ضد المرأة وظاهرة العنف احدها.
  • أن احترام القانون وضمان نفاذه يقتضى عملاً شاقاً وجهود مضنية من جانب المتصدين لمنع ممارسة العنف ضد المرأة من مؤسسات المجتمع المدني.
  • وفي محاولة لقراءة سريعة لأبرز الإسهامات الحالية لمؤسسات المجتمع المدني علي صعيد الواقع للحد من استشراء ظاهرة العنف ضد المرأة منها :
    • المطالبة بإصدار قانون الأحوال الشخصية منذ العام 1982من خلال لجنة الأحوال الشخصية وذلك للحد من حالات العنف الأسري ومن أجل حماية حقوق أفراد الأسرة.
    • المطالبة بتعديل القوانين التي تشكل تمييزا ضد المرأة(قانون الجنسية, قانون العقوبات)
    • التوعية القانونية والحقوقية لكل فئات المجتمع وذلك من خلال عقد العديد من الندوات وورش العمل المتخصصة حول هذا الجانب.
    • القيام بعدد من البحوث والدراسات المتخصصة.
    • أنشاء مركز متخصص للدراسات والبحوث المعنية بالمرأة ( كتب, دراسات,
      بحوث, إصدارات, ببيلوغرافيا... الخ).
    • القيام ببعض الحملات الإعلامية الموسمية بالتنسيق مع الصحافة والإذاعة والتلفزيون من أجل التصدي لظاهرة العنف.
    • دعم المرأة في إيجاد فرص عمل لتنال استقلالها المادي وذلك عن طريق توفير المشاريع الإنمائية التي تناسب قدراتها، فالاستقلال الاقتصادي للمرأة يعطيها قوة ودعم لتقاوم العنف الواقع عليها وعلى أطفالها وأيضا يعطيها القدرة على تنفيذ قراراتها بحزم.
      و نذكر منها المشاريع التالية:
      1. مشاريع المايكرو ستار(جمعية أوال)
      2. مشروع النقدة (جمعية أوال)
      3. . مشروع الضيافة (جمعية أوال)
      4. مشروع نسائج (جمعية النهضة)
      5. مشروع الورق (جمعية الرعاية)

وكما أن هناك العديد من المشاريع التي تعني بتقديم الدعم والمشورة للحالات المعنفة وهي:

  • في العام 1995م بادرت جمعية أوال النسائية علي فتح الخط الساخن بهدف حل المشاكل الأسرية والاجتماعية للنساء
  • وفي العام 1998م عملت جمعية أوال النسائية علي أنشاء مركز للمساعدة القانونية والذي يهدف إلي تقديم المساعدة القانونية للمرأة التي تحتاج إلي هذا النوع من المساعدة التي لا تسمح ظروفها المادية أو الاجتماعية بمراجعة المكاتب القانونية والاستشارية.
  • مكتب التوجية والإرشاد الأسري التابع لجمعية نهضة فتاة البحرين والذي قد تأسس في العام 1998م بناء علي نتائج لدراسة ميدانية أجرتها الجمعية حول مشكلات الطلاق و توصلت من خلالها إلي ضرورة إنشاء مكاتب متخصصة لحل المشكلات الأسرية. هذا ويقدم المكتب الاستشارة النفسية والاجتماعية للجنسين كما و يقدم المشورة القانونية. عوضا عن تقديم برامج التوعية الأسرية للمقبلين علي الزواج.
  • كما و تعتزم جمعية نهضة فتاة البحرين و برعاية سخية من عائلة المرحومة السيدة عائشة يتيم- مؤسسة الجمعية- البدء ببناء مركز النهضة الأسري بمدينة حمد والذي يشتمل بالإضافة إلي ما ذكر سابقا علي مركز للإيواء, سينتهي العمل بالمشروع في ديسمبر 2005.
  • الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وما تقوم به من عملية توعية بالقوانين المحلية والتشريعات الدولية و الدفاع عن الحالات المعنفة.
  • في العام2004 أنشئت جمعية لمناهضة العنف ضد المرأة ومن أهم أهدافها رصد الحالات المعنفة وتقديم المشورة المتخصصة لها.
  • مشروع( كن حرا) التابع لجمعية البحرين النسائية ومن أهم أهدافه زيادة الوعي بموضوع الاعتداء والإهمال ضد الأطفال و تثقيف الأطفال وتعليمهم مهارات أساسية لكيفية حماية أنفسهم من الاعتداء والإهمال. ولقد تم البدء المشروع من خلال تدشين موقعه الالكتروني في العام 2002والخط الساخن في ديسمبر 2004.
  • بدأ الحملة الوطنية لمجموعة الشراكة مع من منظمة العفو الدولية( منامة1) مباشرة نشاطها والتي تهدف إلي كسر حاجز الصمت لدي النساء المعنفات وتوعية المجتمع بضرورة التصدي لظاهرة العنف.

لقد ورد في التقديم ضمن التقرير لمنظمة العفو الدولية لحملتها ضد العنف في مارس 2004م " وعلي لسان الأمينة العامة للمنظمة أيرين خان " أن حقوق المرأة لا تحظى بالأولوية على جدول أعمال كثير من المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب التي لا تزال تحجم عن الاعتراف بها كحقوق إنسانية".

وقد نتفق كثيرا مع هذا الطرح, فلازالت حقوق المرأة لا تحظي بألاولوية علي جدول أعمال الكثير من المنظمات الغير حكومية و الدليل علي ذلك إن أغلب الإسهامات والفعاليات للتصدي لظاهرة العنف تنفذ من خلال الجمعيات النسائية , و حتى في تمثيل مؤسسات المجتمع المدني في الهئيات الأهلية, و اللجان المشتركة ( لجنة ألأحوال الشخصية والهئية الأهلية لاتفاقية القضاء علي كافة أشكال التمييز ضد المرأة).

والتي تعني بالتصدي لأشكال العنف والتمييز ضد المرأة نجد بأنه يتم انتداب نساء وكأن التصدي لهذه الظاهرة شأن نسائي بحت, أو أنها هما نسائيا خاصا, ولم ترقي بعد لان تكون هما مجتمعيا, و إن كان يجدر بنا هنا الإشادة بتجربة الشراكة البحرينية مع منظمة العفو الدولية (منامة 1) والتي ستعقد مؤتمرا حول العنف خلال 8-10 يناير وكونها تجمع أهلي يضم في عضويته العديد من المؤسسات الأهلية والرسمية. وان كانت هذه الجهود بحاجة إلي تفعيل اكبر من قبل كافة مؤسسات المجتمع المدني من برلمانيين وحقوقيين وقانونيين.

هل تفي هذه الجهود للتصدي لظاهرة العنف؟

بالرغم من كل هذه الجهود الطبية والمخلصة إلا إننا أمام تحدا كبير لابد معه من تكاتف كافة الجهود الأهلية-وليس النسائية فقط- إلي جانب الجهود الرسمية من اجل التصدي لهذه الظاهرة, إذ لازالت كل هذه الجهود بالرغم من تميزها وتنوعها إلا أنها تتفقد العديد من الجوانب المهمة منها:

  • عدم وجود استراتيجية موحدة تساهم بتوحيد كافة الجهود الأهلية والرسمية.
  • رصد وتوثيق الحالات المعنفة وذلك ومن خلال أنشاء مركز لرصد الحالات المعنفة.
  • إنشاء شبكة لتبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة حول ظاهرة العنف.
  • القيام بحملة وطنية من أجل الإسراع بإصدار قانون الأحوال الشخصية والمطالبة بتعديل القوانين بم يكفل تحقيق حماية أكبر للنساء المعنفات.
  • تأسيس جماعات الضغط من أجل الدفع بأتجاة ثقافة مجتمعية مناهضة للعنف والتمييز ضد المرأة.
  • محو ألامية القانونية والحقوقية و القيام بأعداد كوادر مدربة ومؤهلة.
  • والعمل علي أقناع المرأة نفسها علي كسر حاجز الصمت والحديث عن العنف الواقع عليها. والتنسيق مع البرلمانيين و السياسيين و رجال الدين و الإعلاميين و القانونيين والحقوقيين.. و كل فئات المجتمع نساء ورجال من أجل التصدي لظاهرة العنف.
  • ألمطالبة بإدراج ثقافة مناهضة العنف ضد المرأة ضمن المناهج التربوية بالمدارس.
  • القيام بأجراء دراسات وبحوث ميدانية للتعرف علي حجم ظاهرة العنف.
  • أنشاء مراكز للإيواء والحماية الأسرية.
  • حث المؤسسات الخاصة علي منح الدعم المالي والمعنوي لتشجيع المؤسسات الأهلية على تقديم شتى أنواع الخدمات والدعم للنساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري.
  • إنشاء شبكة لتبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة حول هذه الظاهرة.

و في الختام يمكننا القول بان التصدي لظاهرة العنف بحاجة إلي تنسيق كافة الجهود ألأهلية والرسمية معا وتحقيق شراكة مجتمعية فاعلة , والي تغيير الفهم الخاطئ السائد لدي العديد من مؤسسات المجتمع المدني, في أن التصدي لظاهرة العنف وأشكال التمييز ضد المرأة هو شان نسائي بحت, وأن كان يجب التأكيد علي تأخذ النساء زمام المبادرة ولكن هذا يتم ضمن تحرك مجتمعي عام يشمل كافة فئات المجتمع من نساء ورجال.